• تسنيم الغامدي

العصر الذهبي للترجمة وبيت الحكمة



بادئ ذي بدء، ستبخل هذه السطور ما نحن بصدد ذكره، وتنعي الكلمات سطرًا سطرًا عهدًا كان نورًا عمّ أنحاء الدنيا، وكانت العلوم والاكتشافات وليدة عصره، وذكره بابٌ لاستنهاض الهمم لا اللوم والتحسر، فقد أجمع المؤرخون على أن بيت الحكمة نمت منذ تأسيسها في عهد هارون الرشيد وأوج ازدهارها في عهد ابنه الخليفة المأمون لتصبح العديد في واحد. مكتبة يجد فيها قارئها شتى العلوم ومركزًا للترجمة – وهو ما نسلط عليه الأضواء هنا – تُرجِمت فيها أهم مؤلفات الحضارات السابقة، ومركزًا علميًا زخِر بمؤلفات العلماء المسلمين. بل كانت تعد أيضًا أكاديمية تُمنح فيها الإجازات العلمية. كيف لا وقد جمعت كل ذلك تحت صرحها العظيم.


"الطريق إلى التنمية يمر أولًا بالتعليم وثانيًا بالتعليم وثالثًا بالتعليم" __ غازي القصيبي

من يقرأ التاريخ يعرف جيدًا أن التقدم العلمي الذي يعيشه العالم الآن يعود فضله للعصر العباسي أو كما يعرف بالعصر الذهبي الذي ظهرت فيه علوم الهندسة والطب والفلك والحساب والاختراعات، وما سبق ذكره على سبيل المثال لا الحصر. والسبب في ظهور هذه العلوم عند المسلمين والمحرك الأساسي والناهض بها هي حركة النقل والترجمة. وهنا يجدر بنا التساؤل عمّا أسهمت فيه حركة الترجمة وما أسهم في ازدهارها آنذاك. ومما نورده في هذا الشأن ما ذكره الباحثون، فقد أثبتوا أن الترجمة في تلك الحقبة كان لها دور كبير في حفظ مصادر التراث القديم من الضياع، وإحياء العلوم وإثرائها، وإرساء قواعد الدولة علميًا وعالميًا. وما كان نشاط الترجمة ذلك إلا ردة فعل لاهتمام الخلفاء العباسيين بالمعرفة وولعهم بها، إذْ جلب المأمون الكتب من أنحاء المعمورة كافة، وأستقطب معها أعظم العلماء والمفكرين والمترجمين، وجعل لهم رفيع المناصب وجزيل العطاء، حتى إنه روي عن المأمون أنه كان يعطى مقابل ترجمة كل كتاب وزنه ذهبًا. لا.. عزيزي القارئ، لم يكن هذا فقط بل هناك غيره ما لا تكفي الأسطر لذكره.

تجدر الإشارة هنا أن العنوان لا يكفي والتفاصيل فيها ما يفي، فاهتمام الخليفة المأمون لم يقف عند حد التوجيه والإدارة، بل كان يشارك المفكرين والعلماء في مناقشتهم وأحاديثهم. وكذلك المترجمون، لم ينقلوا فقط بل أضافوا الشروح على النصوص وخلاصة نتائجهم وتأملاتهم فأفادوا مما أخذوا وزادوا.


"وينبغي لنا ألا نستحي من استحسان الحق واقتنائه، من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بخس الحق، ولا تصغير قائله، ولا الآتي به، ولا يبخس الحق أحدًا، بل الحق يشرف الكل" __ الكندي، كيميائي رياضي طبيب من القرن التاسع.


ومن أشهر المترجمين والعلماء الذين برز نجمهم في ذلك الزمان: جورجيس بن جبريل، ويوحنا بن ماسويه، وابن المقفع، ويوحنا بن البطريق. وقد تَرجم الكثير من كتب أرسطو. وكانت الفلسفةُ أغلبَ عليه من الطب، والحجاج بن يوسف بن مطر الوراق الكوفي، وقسطا بن لوقا البعلبكي، وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي، وحُنين بن إسحاق (شيخ المترجمين)، وابنه إسحاق، وثابت بن قُرّة، وحبيش الأعسم ابن أخت حنين وغيرهم.

وقد عُـدّ العهد العباسي أزهى عصور الترجمة والعصر الذهبي للمترجمين لما شهد فيه من عناية واهتمام كبيرين بالعلم وبالمترجمين على حد سواء، فالأول قلبٌ والآخر شريانه الأبهر.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المصـــــــادر:

  • كتاب "ألف اختراع واختراع" المحرر المسؤول البروفيسور سليم الحسني.

  • "الآثار الحضارية للترجمة في العصر العباسي الأول"، رسالة ماجستير

  • مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند، جمادى الأولى 1437 هـ، العدد: 5 ، السنة: 40


114 عرض0 تعليق