• أمجاد الراجح

التلاعب الإيديولوجي في الترجمة (٢)


تحدثت في الأسبوع ما قبل الفائت عن مسألة العلاقة بين الترجمة والأيديولوجيا ساردةً بعض الأمثلة التي تؤكد على أن عملية الترجمة ليست مجرد اجتهاد فكري إثرائي أو غير ذلك من أهداف سامية. فبقدر ما تسعى الترجمة إلى الإثراء وتطوير الحضارات إلا أنها قد تحمل في طياتها أبعادًا سياسية وإيديولوجية تنعكس على اختيارات المترجم في سبيل السلطة أو الجهة التي ينتمي لها.

وتعد المدرسة التفكيكية بقيادة الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا أبرز من دعا إلى كشف التكوين المجازي للغة وانزلاقات التعبير والتفصيل في الميتافزيقيا التي يظن أنها غير موجودة، الأمر الذي أثر تأثيرًا كبيرًا على الترجمة والنظريات التي تطورت عليها خلال العقود الماضية. ومن الأمثلة على ذلك المنظر الأمريكي لورنس فينوتي الذي وقف في كثير من كتبه على تفكيكية دريدا في الكشف عن التحيزات ذاكرًا أن كثير من الترجمات التي تتبناها المؤسسات الثقافية والسياسية والاجتماعية الغربية تنزع إلى تغليب الأطر الفكرية الغربية التي تنتهي غالبًا إلى تدجين النص غير الغربي لينسجم مع تلك الأطر. ويعرف فينوتي (١٩٩٥) الترجمة بأنها "ممارسة سياسية ثقافية تبني أو تنتقد هويات متميزة إيديولوجيا لصالح ثقافات أجنبية، وتتخطى قيما خطابية وحدودا مؤسساتية في ثقافة اللغة الهدف أو تلتزم بها."

ومن أمثلة أدلجة الترجمة لخدمة أجندة سياسية معينة هو ما حدث في تركيا أثناء المؤتمر الصحفي للرئيس التركي رجب الطيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين شهدت ترجمة خطاب الرئيس أردوغان تدليسًا وتوجيهًا وتشويهًا، فجاءت تصريحات الرئيس التركي مهاجمة لأمريكا وترامب والإدارات التي سبقته، وجاء نص الخطاب: "نأمل أن تتواصل الخطوات الأمريكية التي تعوض عن الأخطاء المرتكبة سابقًا في مسألة المكافحة المبدئية الصارمة ضد كل التنظيمات الإرهابية". والغريب في ذلك هو أن الرئيس الأمريكي أبدى موافقته ولم يعقب على هذا النص، وكأن ما يصل إليه مختلف، ليبدو بموافقته مُعترفا بأخطاء أمريكا السابقة في التعاون مع التنظيمات الإرهابية وكأنه سعيد بهذا التصريح! وعندما بُحث عن الموضوع، وُجد أن الترجمة إلى الإنجليزية تحمل معنى مختلفًا عن النص التركي، فجاء النص كالتالي:

“And we know that, in terms of keeping up with the principled and committed fight against the terrorists organizations all around the world, we will not repeat the mistakes of the past, and we will continue down this path together”.

"ونحن نعلم أننا لن نكرر أخطاء الماضي فيما يتعلق بالحرب المبدئية والصارمة ضد الجماعات الإرهابية حول العالم، وسنواصل العمل معًا والمضي قدمًا في هذا الطريق".

ولم يتوقف التحريف هنا فحسب بل استمر أثناء هجوم أردوغان على أمريكا في دعمها للجنود الأكراد قائلًا:

"اتخاذ أي من وحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري الإرهابيين مخاطبًا، من طرف أي دولة كانت، لا يتوافق إطلاقًا مع مفهوم التحالف الدولي بهذا الصدد”.

لتأتي الترجمة مخطوفة منها لفظ "إرهابيين" وتتحول من لغة هجوم للغة عامة لا يشوبها شائب:

“Taking YPG and PYD in the region — taking them into consideration in the region, it will never be accepted, and it is going to be against a global agreement that we have reached”

“يُعد أخذ وحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي بعين الاعتبار في المنطقة، أمر غير مقبول على الإطلاق، كما أنه منافٍ للاتفاق العالمي الذي توصلنا له."

وفي عام ١٩٧٦ تمسكت إسرائيل بالترجمة الإنجليزية الداعية للانسحاب من "أراضٍ عربية" التي احتلتها في قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢. بينما ما فهمه العرب ووقعوا عليه على أساس أنه يشير إلى: "انسحاب من الأراضي العربية المحتلة"، أي جميع الأراضي العربية المحتلة عام ١٩٧٦ وليس جزء منها. مما أدى إلى انسحاب إسرائيل عن بعض الأراضي وليس كلها، وبعد ٤٠ عام من تلك الواقعة استغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية ترجمة خاطئة لجملة من خطاب مندوب سوريا في اجتماع لجنة نزع السلاح لتبرير ضرب منشأة سورية في منطقة عين الزور السورية حيث تقول الترجمة: "إن إسرائيل ضربت منشأة نووية سورية"، رغم أن المنشأة لم تكن نووية، ولم يكن المندوب السوري قد قال إن إسرائيل ضربت منشأة نووية سورية!

لا يختلف اثنان على أن للترجمة دور مهم في السياسة والعلاقات الدبلوماسية فالمترجم يتحمل مسؤولية كبيرة يترتب عليها قرارات صعبة ومصيرية، لذا فمن المهم أن يلتزم المترجم بالأمانة وعدم التحريف في الترجمة وأن أي خيانة "مقصودة" في الترجمة هي خيانة وانتهاك فاضح لأخلاقيات مهنة الترجمة.

أمجاد الراجح

amjaad@iamatranslator.org

المراجع:

[١] اختفاء المترجم: تاريخ الترجمة، لورانس فينوتي، ترجمة سمر طلبة، ٢٠٠٩

[٢] رفع اللبس اللغوي عن قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، د. طيب رجب، ٢٠١٤

[٣] سطوة الترجمة، د. سعيد البازعي، ٢٠١٤

[٤] سطوة الترجمة: تسييس المفاهيم ، د. سعيد البازعي، ٢٠١٤

[٥] فضيحة كبرى.. تركيا تتلاعب في ترجمة خطاب أردوغان لترامب، سامي أحمد، ٢٠١٧

[٦] كيف استخدمت "أخطاء" الترجمة سياسيًا ؟ أبرز ٥ أخطاء ترجمة مثيرة للجدل، أحمد عمارة، ٢٠١٥


376 عرض0 تعليق

© 2012 - 2020

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة منصة اللغة للنشر وخاضعة لقانون الملكية الفكرية

 ولا يجوز نسخ أو نشر أي من محتويات الموقع أو المدونة دون أذن رسمي

  • Instagram - Grey Circle
  • Twitter - Grey Circle
Riyadh, Saudi Arabia