• رناد الجديد

الترجمة .. المعادلة الرياضية الأجمل


هل فكرت يومًا أن الحياة معادلة؟ وأن كل شيءٍ فيها .. معادلة!

أجل، فحين يولد أطفال يموت آخرون، وحين تنبت زهرة تُقطع شجرة، وحين تُوقع معاهدة سلام تندلع حرب، وحين ينبع الماء في بقعة يجف في أخرى .. وغيرها من معادلات الحياة ..

هناك أيضًا معادلات العلوم التي نعرفها، ففي معادلة الكيمياء مثلا: المتفاعلات تساوي المخرجات،

وفي معادلة الأحياء: دخول غذاءٍ يساوي خروجَ فضلات، وفي معادلة الفيزياء: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة. والأمر سيان في معادلة الرياضيات الأشهر: حيث الطرف الأول يساوي الطرف الثاني.

ولكن، هل فكرت يومًا بمعادلة الترجمة؟؟

نعم، معادلة الترجمة .. حيث النص الأصلي في أحد طرفي المعادلة، وترجمته في الطرف الآخر، وتسعى جاهدًا للحفاظ على إشارة المساواة بينهما. فلا تختار لفظًا أو تعبيرًا هنا حتى تتأكد من وجوده هناك، ولا تضيف تأثيرًا لغويًا هنا إلا إن كان محسوسًا هناك!

ولوقتٍ ليس ببعيد، كانت إشارة المساواة هذه إشكالًا كبيرًا في الترجمة، وربما قضية أخلاقية تجسد الأمانة التي يحملها المترجم على عاتقه تجاه النص الأصلي! ولكن الحفاظ على هذه المساواة دائمًا ومع كل النصوص أمرٌ من ضرب من الخيال في عالم اللغة والترجمة، حيث عوامل أخرى تسيطر على المعادلة، كاختلاف ثقافة اللغتين اختلافا بائنًا، واختلاف الخصائص اللغوية والجذور التي تنحدر منها كل لغة، وغيرها من عوامل.

فهل خرجنا بذلك من تلك الدائرة؟ شكرا لمرونة الرياضيات، لا لم نخرج. فهناك المتباينة، حيث يتباين ظهور إشارة "أكبر من" أو "أصغر من" حسب ما تفعله بطرف دون الآخر.

وبرأيي، لا أجمل من متباينة تتفوق فيها الترجمة على الأصل، ولكن لا أقبح من العكس.

التفكير في هذه المفارقة جعلني أدرك أن متعة الرياضيين عند استخدام الألاعيب الرياضية والعبث بالمتغيرات بشتى الطرق لتحقيق المساواة أو الحصول على متباينة فائزة، هي ذات المتعة التي نحظى بها كمترجمين عند اختيار الألفاظ والتلاعب بها للهدف ذاته.

وكما يتعامل الرياضيون مع درجاتٍ مختلفة الصعوبة للمعادلات: أولى وثانية وثالثة، فكذلك النصوصُ درجاتٌ في إشكالها وصعوبتها.

ولكن .. إن فطن المترجم ﻷسرار اللغة ومكنوناتها، وأتقن استخدام حيلها وخفاياها، لأصبحت الترجمة لديه أشبه بلغز رياضي لذيذ يثير العقل، ولأصبح المترجم عالم رياضيات فذ لا تعجزه مسألة ولا يعجزه نص!


264 عرض0 تعليق