• بقلم: ميساء عابد

المترجم وفيروس كورونا المستجد


تبدلت الكثير من الأمور بلا شك على مستوى العالم اجتماعيًا واقتصاديًا وماديًا بعد غزو فيروس كورونا المستجد فنحن نواجه معركة شرسة ضد عدو مشترك.

فما هو يا تُرى دور المترجم والترجمة وصناعة اللغة وعلاقتهم بكل ما يجري حولنا ومسؤوليتهم تجاهه!

لقد تأثرت جميع الدول والمنظمات تقريبًا بانتشار فيروس كورونا. فمن الأطباء إلى رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمستقلين يحاول الجميع استيعاب ما يحدث وما هي الآثار طويلة الأجل التي يجب أن نتوقعها. ولابد من الإشارة هنا إلى أن المسؤولية تضخمت على عاتق تخصصات بعينها كالتخصصات الصحية مثلًا. ومن القطاعات التي يهمنا الحديث عنها والتي تأثرت سلبًا وإيجابًا بما حدث أولئك العاملون في مجال اللغة والترجمة.

فلماذا اللغويون والمترجمون!

يُعد توفير المعلومات والوصول إليها أمرًا بالغ الأهمية للجميع في أوقات الأزمات العالمية مثل تلك التي نواجهها اليوم. ومع ذلك، يمكن أن تكون الحواجز اللغوية عائقًا في سبيل تقبل ومشاركة المعلومات الحيوية والمهمة مما يجعل سكان بعض المناطق مضللًا حول حالة الوباء والتقدم الطبي المتعلق به والممارسات التي يجب وضعها لتجنبه والحد من انتشاره.

وهنا وفي هذا المضمار أثبتت خبرة المتخصصين في اللغة أهمية أكبر من أي وقت مضى. إذ أثبت هؤلاء اللغويون أنهم أبطال خارقون ليس فقط في مساعدة زملائهم ولكن في مساعدة العالم بأسره.

فقد تضافرت جهود العديد من المنظمات ومقدمي خدمات اللغات العالمية لمواجهة هذا الفيروس اللعين في البلدان المتأثرة فهم يترجمون الأبحاث والبيانات الطبية لضمان التدفق المستمر للمعلومات الدقيقة حتى يستفيد منها مقدمو الرعاية الصحية والمواطنون في جميع أنحاء العالم. كما يجب عليهم معرفة المفاهيم والمصطلحات والإحاطة بها تمامًا وذلك للتأكد من عدم إضافة أي تفاصيل أو نسيانها أثناء عملية الترجمة. لكن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها ألا وهي وجود حوالي 200 دولة في العالم يقابلها أكثر من 6000 لغة تقريبًا مما يُشكل معضلة كبيرة إذ كيف يمكننا ضمان حصول الجميع على معلومات دقيقة بلغتهم في الوقت المناسب!

وكما هو معلوم للجميع فبداية المرض كانت من الصين وبالتالي فقد احتاج الجميع للقراءة والبحث عنه بلغات مختلفة، وشارك الأطباء الصينيون معلوماتهم مع العالم من خلال منظمة الصحة العالمية.

وتتطلب الترجمة الطبية دقة بنسبة 100% إذ يمكن أن تتسبب المعلومات الخاطئة وغير الدقيقة خصوصًا تلك المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأضرار جسيمة سيما وأنها تنتشر انتشار النار في الهشيم، فلا بد إذًا من توفير بيانات دقيقة. ولذلك فإن الطريقة الأمثل للحد من التشويش تكمن في استقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة والاعتماد على القنوات الرسمية.

ولكن ما أسهل الحديث! فالمهمة ليست كما نتصور أبدًا.

فمن الطبيعي أن تكون قراءة المصطلحات الطبية باللغة الأصلية للسكان أسهل وأدعى لقبولها. ومن جهة العاملين في المجال الطبي فسيكون ذلك توفيرًا لوقتهم وحفظًا لجهدهم من أجل التركيز على الأبحاث المتعلقة بالمرض. وبذلك يمكن للباحثين والأطباء والمرضى الوصول إلى أحدث المعلومات والأدلة وخطط العلاج والموارد المفيدة الأخرى.

ويُعد ايصال معلومات الصحة العامة في المناطق والبلدان التي يتنوع فيها السكان لغويًا بما في ذلك المواطنون والفئات المحرومة والمُهمشة والمهاجرون واللاجئون في الأماكن الموبوءة من أبرز التحديات اللغوية التي تواجه الحكومات.

هذا وتتعاون الدول والمنظمات الآن من أجل التغلب على حاجز اللغة والاتصال للتأكد من أن جميع السكان في مناطقهم التي يقطنونها يتلقون المعلومات الصحيحة بغض النظر عن لغتهم أو لهجتهم. وعلى سبيل المثال، يُقدم موقع منظمة الصحة العالمية معلومات حول كوفيد-19 بلغات الأمم المتحدة الرسمية الست وهي العربية والصينية والإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية. إضافة إلى تحديث معلوماتها باستمرار وتوفير نصائح عامة وتوصيات سفر تتعلق بالوقاية من الفيروس.

وهناك أيضًا منظمة مترجمون بلا حدود التي تقدم عملًا يستحق الثناء فهي لم تألوا جهدًا في ترجمة المعلومات حول هذا الفايروس المستجد وخصصت وسمًا في موقعها يحمل اسم "كوفيد" لتسهيل الوصول لأحدث المواد وترجمتها بأقصى سرعة، إضافة إلى إنشاءها مسردًا بلغات متعددة يتعلق بمصطلحات الفيروس. وهنا يظهر دور المنظمة التي تُعنى بأهمية التواصل الفعال والمشاركة المجتمعية. ويمكنكم التطوع مع هذه المنظمة بكل يسر وسهولة.

كما حدّث كل من قاموسي "أوكسفورد" و "ميريام وبستر" محتوياتهما بمصطلحات فيروس كورونا.

وتحدى انتشار جائحة كوفيد-19 وتدابير معالجتها الأيديولوجيات والسياسات الحكومية التي تعتمد على أحادية اللغة لأن درجة النجاح في مكافحة التفشي تعتمد إلى حد كبير على نشر المعلومات الصحيحة بلغات العالم المختلفة كما أشرت سابقًا. وقد تخلت العديد من الدول وأولها الصين عن هذه الأيديولوجية وبدأت التوعية باللغات الأخرى لأنها أصبحت في مواجهة مباشرة مع الموت. فالتحدث بلغات متعددة داخل البلد الواحد يمكن أن يؤدي إلى بناء حاجز تواصل له عواقب مدمرة على سكانه أجمع. إضافة إلى أن توفر المعلومة بلغات الناس يخلق الثقة ويضمن عدم فهم الرسالة فهمًا خاطئًا مما يزيد من احتمالية قبولها.

ولابد من الإشادة بتجربة كل من المملكة العربية السعودية متمثلة في مبادرتها التي حملت اسم "كلنا_مسؤول"، وعُمان على سبيل المثال في التوعية بترجمة النشرات وتوفير مقاطع الفيديو المترجمة إلى اللغات الأصلية لمقيميها من أجل رفع الوعي والحد من انتشار هذا المرض.

وهذه النشرات متاحة على الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة وعلى منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر.

ومن الأمثلة المهمة في مواجهة هذه الأزمة تجميع كتيب لهجات هوبي لفرق المساعدة الطبية حيث بدأ تفشي الفيروس في الصين حتى يسهل التواصل بينهم وبين المرضى في مقاطعة هوبي، وقدم هذا الكتيب مساعدة كبيرة للموظفين الطبيين في الخطوط الأمامية. إضافة إلى توفيرهم سبعة مصادر من خدمات اللغة كصفحة ويب ومقاطع فيديو وخط هاتف ساخن على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وبرامج ترجمة فورية.

وكُتب الدليل بأكثر من 20 لغة منها على سبيل المثال اليابانية والفارسية والإيطالية والعربية والإنجليزية والألمانية والفرنسية. كما نال أيضًا ردود فعل إيجابية فهو مثال حي على خدمات اللغة واستجابتها للطوارئ.

ويزداد الطلب على المترجمين الطبيين في ظل هذه الأزمة العالمية إذ يعملون على مدار الساعة لأداء دورهم في مكافحة تفشي الفيروس. كما اتجهت العديد من وكالات الترجمة إلى رقمنة عملها وأصبحت تركز على العمل عن بعد إضافة إلى المترجمين الذين يقدمون خدماتهم المستقلة عن بعد أيضًا. ويُعد العمل عن بعد معيارًا مهمًا لأكثر وكالات الترجمة في جميع أنحاء أوروبا وحول العالم وترتب على ذلك انخفاض استخدام المرافق من قبل الشركات الرقمية. فالترجمة عن بعد يمكن أن تسمح بوصول عالِ الجودة للغة وتنسيق اجتماعات متعددة اللغات رغم إجراءات التباعد الاجتماعي.

أما من حيث المترجمين الشفويين، فيقدم العديد منهم خدماتهم عبر الإنترنت من خلال تقنيات مؤتمرات الفيديو. وتظل الترجمة البشرية جزءًا لا يتجزأ من الكفاح العالمي ضد هذا الفيروس ويبدو أن رقمنة خدمات الترجمة هي الوسيلة المثالية للمساعدة في استمرارية العمل، وفي نفس الوقت التخفيف من أي تهديدات أو مخاطر فورية للموظفين وغيرهم من المعنيين مباشرة بهذا العمل.

أخيرًا، قد يكون تضرر الجميع جراء هذه الأزمة واقعًا عالميًا يوحدنا جميعًا في خضم التباعد الاجتماعي والعزلة الذاتية والحجر الصحي. وتجدر الإشارة إلى أن دورنا بصفتنا مترجمين يجب ألا يقتصر على نقل المعرفة فقط، ولكن لابد أن يمتلك كل مترجم منا حسًا بالمسؤولية الاجتماعية والوعي لمواجهة الأزمات. كما يتحتم عليه أن يكون واعيًا وضليعًا في مجال تكنولوجيا المعلومات ودورها الكبير في التعامل مع التدفق الهائل للمعلومات وما ينطوي على ذلك للوقاية من الأوبئة ومكافحتها.

فأحد أهم الدروس التي نحتاج إلى تعلمها من هذه الأزمة هو تضمين واقع التنوع اللغوي في حياتنا ومعاملاتنا لأن ذلك يشمل الاستعداد للكوارث.

المصادر:

https://www.languageonthemove.com/language-lessons-of-covid-19-and-linguistic-disaster-preparedness/

https://www.languageonthemove.com/coronavirus-meets-linguistic-diversity/

https://www.languageonthemove.com/language-challenges-of-covid-19-are-a-pressing-issue/

https://www.languageonthemove.com/


66 عرض0 تعليق