• Instagram - Grey Circle
  • Twitter - Grey Circle
Riyadh, Saudi Arabia

الترجمة في مجلس الجاحظ

أبو عثمان -طيب الله مثواه- أو كما اشتُهِر بين الناس قديمًا وحتى الآن بالجاحظ ، كان شغوفًا بالكتب وقرأتها ويشهد له أهل عصره بذلك ومن ذلك ما أورده ياقوت الحموي نقلًا عن أبي هفَّان ـ وهو من معاصري الجاحظ ـ حيث يقول فيه: "لم أر قطُّ ولا سمعت من أحبَّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنَّه لم يقع بيده كتاب قَطُّ إلا استوفى قراءته كائناً ما كان..." ، وقيل عنه أيضًا أنه كان يكتري -يستأجر- دكاكين الوراقين ويقرأ منها مايقع بين يديه ومنها الكتب التي نُقِلت من اليونانية والفارسية والهندية للعربية بل واستعملها في كتبه حيث نجد في هذه المؤلفات عدة حكم منسوبة إلى فلاسفة اليونان، مثل الحكم المستنبطه من "كتاب الحيوان" لأرسطو ولم يكن شغفه الكبير بالاطلاع الفكري يقتصرعلى الكتب "خاصَّةً أنَّ ذلك عادةٌ مذمومةٌ فيما أخبرنا هو ذاته وأخبرنا كثيرون غيره، إذ العلم الحقُّ لا يؤخذ إلا عن معلم، فتتلمذ على أيدي كثيرٍ من المعلمين العلماء" [1] وناقش المفكرين والمترجمين أمثال حنين بن إسحاق الذي  جعله الخليفة العباسي المأمون مسؤولا عن بيت الحكمة وديوان الترجمة.

 يعد الجاحظ ممن نظر للترجمة في تلك القرون، "وتحدث عنها كعلم، ووضع شروطاً للترجمة وممارستها، ومعايير مهنية لمن يمارسها"[2] . وقد أورد الجاحظ هذه النصوص في كتابه "الحيوان" وسنستعرض بعض من هذه النصوص التي تبين موقف الجاحظ من الترجمة أنذاك .

 "ثم قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها"

اللغات التي سيُنقل إليها الشعر العربيّ تفتقر إلى الحضن اللغويّ المؤهّل لاحتضان الشعر العربيّ بسبب غياب  المقابل اللغويّ والتعبيري أما السبب الثاني فهو تمثّل في اشتمال الشعر على عناصر فنيّة لا يكون الشعر دونها شعرا ومنها : النظم والحسن والوزن والعجب .[4]

وقال الجاحظ أيضَا في ذلك : "وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلّم بلسان العرب، والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوّل تقطّع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجّب لا كالكلام المنثور"

" وكيف يقدِر على أدائها وتسليم معانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها، مثل مؤلف الكتاب وواضعه؟ فمتى كان رحمه الله تعالى ابن البطريق، وابن ناعمة، وابن قرة ( …) وابن المقفع، مثل أرسطو ؟ ومتى كان خالد -بن يزيد بن معاوية

 يبين لنا الجاحظ صعوبة تحقيق ترجمة صحيحة فالمترجم ليس كمن وضع الكتاب فيكون عالمًا بخفاياه ومكنوناته ودرس العلم لفترة طويلة وأحاط به دراية شاملة.

ويقول بهذا الصدد : "وما علم المترجم بالدليل عن شبه الدليل؟ وما علمه بالأخبار النجومية؟ وما علمه بالحدود الخفية؟ وما علمه بإصلاح سقطات الكلام، وأسقاط الناسخين للكتب؟ وما علمه ببعض الخطرفة لبعض المقدمات ؟ "[3]

"ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات."[3]

وجاء في البيان والتبيين:" واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلتْ كل واحدة منها الضيمَ على صاحبتها "

هنا بيان بصعوبة توافر شروط المترجم الحق التي وضعها الجاحظ فالمترجم محتاج لإتقان اللغتين معًا ويترجم في نفس العلم الذي استبان معالمه و مهما اجتهد ألا يقع في الزلل قد يدخل الضيم على النص المترجم.
 

"وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشد على المترجم، وأجدر أن يخطئ فيه ولن تجد البتة مترجما يفي بواحد من هؤلاء العلماء" ويقول " هذا قولنا في كتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله -عزل وجل- بما يجوز عليه مما لا يجوز عليه" [3]

من أكبر الصعوبات التي  ظلت تواجه الترجمة؛ هي الصعوبة المتمثلة في ترجمة النصوص الدينية ومقارنتها هنا بالترجمة العلمية والتي ينقل فيها النص الفكري بكل هذا الحرص فكيف بالنصوص الدينية التي فيها الشأن أعظم.

 

" فإنا نوجدكم من كذب التراجمة وزياداتهم، ومن فساد الكتاب، من جهة تأويل الكلام، ومن جهة جهل المترجم بنقل لغة إلى لغة، ومن جهة فساد النَّسْخ، ومن أنه قد تقادم فاعترضتْ دونه الدهور والأحقاب، فصار لا يُؤْمَنُ عليه ضروبُ التبديل والفساد، وهذا الكلامُ معروفٌ صحيحٌ "[3]

 

منذ زمنٍ بعيد والترجمة متَّهمة بعدم الدقة والأمانة في نقل النصِّ المترجَم عنه على وجهه الحق ، وهذا بيان بالصعوبات الكثيرة التي تواجهها الترجمة والتحديات الكبيرة التي يجب على المترجم تخطيها ومع ذلك هذا لاينفي أبدًا الجهود التي أظفرت عنها الترجمة وأبسطها حفظها لبعض المؤلفات بعد ضياع أصولها ومنها كتاب " كليلة ودمنة" .

أمام هذه النصوص كان هناك من يرى أن الشروط التي وضعها الجاحظ في كتابه تجعل من عمل التّرجمة شبه مستحيل وآخرون متمسكين برؤية الجاحظ في الترجمة لكن كل ذلك لا ينفي أهميتها ولا دورها الذي قامت به في كافة العصور والحضارات حتى أيامنا هذه التي ننادى فيها بتنشيط حركة الترجمة حيث أن الجاحظ رغم آرائه كان يقرأ الكتب المترجمة ويستعملها في مؤلفاته ، وعلى المترجم أن يعي المسؤولية الملقاه على عاتقيه والمكانة ذات الشأن التي يتقلدها أمام هذه النصوص حين ترجمتها ففن الترجمة مجال تخصصي للغاية، له مشكلاته النظرية والعملية الجديرة بالاهتمام.

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

زوايا المدونة
أحدث المقالات
Please reload

الإرشيف
Please reload

تابعنا
  • Twitter Basic Square