ترجمة الغائب: موبي ديك نموذجًا

September 25, 2017

 

الاختلاف البائن بين اللغات والثقافات أمر جليٌّ نجمع عليه كلُّنا، وحقيقة أن ذلك يشكل تحديًا للمترجم واقعٌ لا يمكن إنكاره. ولكن هل للمترجم أن يتوقف أمام أول عقبة يجدها ويقول: لا يمكنني تجاوزها؟ هل له أن يتوقف أمام أول مصطلح غريب يواجهه ويقول: لا يمكنني ترجمته؟ هل له أن يتوقف أمام عملٍ عظيم ويقول: محالٌ نقل عظمته؟ هل له الاستناد إلى حجة غياب المقابل واختلاف الثقافات للتنصل من مهمة الترجمة؟

الجواب: لا!

إن المترجم العظيم قادرٌ على نقل أي نص للغته الأم ببراعة وحسن تصرف عظيمَين إن كان متسلِّحًا بلغته الأم تسلحًّا قويًّا. وبالنسبة لنا نحن معشرَ المترجمين العرب، فقد حظينا بلغةٍ ثرية ومرنة، فهي بحرٌ يتسع لاحتواء الدخيل، ورحمٌ قادرٌ على توليد الجديد. ولكنها تحتاج إلى من هو قادرٌ على تطويعها بذكاء لينقل لنا كل مصطلح أو تعبير ظن الآخرون أنه لايمكن نقله.

نموذجنا في ذلك العبقري إحسان عباس مترجم الرواية الشهيرة "موبي ديك" لمؤلفها هيرمان مالفيل، الذي تعد روايته واحدةً من عيون الأدب العالمي. والتحدي في ترجمة "موبي ديك" يكمن في أنها تعجُّ بالمصطلحات البحرية المتعلقة بالصيد، وبالنظر للثقافة العربية، فإننا نجد أنها بيئة صحراوية يتجلى في اهتمامها ما يصف الصحراء والرمال والجِمال وغيرها من معالم وكائنات الصحراء؛ أما البحر، فلعله يشغل حيزًا أضيق لغويًا وثقافيًا. وسؤالنا هنا: كيف استطاع مترجم رواية "موبي ديك"، الدكتور إحسان عباس، أن يخرج لنا بترجمة عظيمة لروايةٍ جزم النقاد أنه برع فيها أيَّما براعة، على أنه غير متخصص باللغة الإنجليزية، بل باللغة العربية وآدابها!

بالاطلاع على تجربة إحسان عباس، فإن أول درس نتعلمه منه هو: إن لم تجد مقابلًا، فأوجد واحدًا، أما قول "لايمكنني ترجمته" فهي عبارة خارج قاموس عباس، إذ كان يلجأ في ترجمته إلى اشتقاق ما لم يجد له مقابلًا دقيقًا. فعلى سبيل المثال أطلق على عملية صيد الحيتان "التحويت"، وأسمى صائد الحيتان "حوّات"، وكلها كلمات اشتقها من "حوت"، وهذا مثال بسيط لما أحسنَ عباس التصرف فيه، وكانت كل المقابلات التي يختارها مشتقة من جذور عربية أصيلة.

وإضافةً إلى هذا التحدي في إيجاد المقابل الدقيق، واجه عباس تحديًا ثقافيًا-لغويًا من جانبٍ آخر. إذ كان هناك تباينٌ واضحٌ في مستويات اللغة الانجليزية بين حوارات شخصيات الرواية، حيث يهدف الراوي بذلك إلى رسم خلفية الشخصية وطبقتها الاجتماعية، كما كانت بعض الشخصيات تتحدث لغة انجليزية ركيكة للدلالة على أن الشخصية أجنبية. لذا فعند ترجمتها، عَمد إحسان عباس إلى استخدام لغة عربية "مكسرة" للشخصيات الأجنبية، كما أدرج تعبيرات من اللهجات المصرية والعراقية والسودانية ليُبيّن اختلاف الخلفيات بين الشخصيات وطبقاتهم الاجتماعية. وبينما أشاد بعض النقاد بذلك، إلا أن آخرين رأوه استطرادًا في غير محله وأنه لم يكن الخيار الأمثل.

ولكن في النهاية، لا يمكننا إنكار الجهد العظيم الذي بذله إحسان عباس في نقل الرواية بهذه الصورة المبهرة حتى وإن تلقت اختياراته بعض النقد، فهذا ليس شيئًا يذكر أمام إنجازه ككل. والترجمة بحد ذاتها عملية صعبة ومحفوفة بالمخاطر كما يذكر د. محمود عصفور، لكنَّ المترجم الذي يدخل بكامل شجاعته وعدَّته واستعداده هو مترجم عظيم. ولولا شجاعة عباس وإقدامه على ترجمة "موبي ديك" لظلَّت الرواية حبيسة لغتها، ولما وصلت للمكتبة العربية والقارئ العربي.

 

المراجع:

كتاب "إحسان عباس: أوراق مبعثرة" – إحسان عباس، دار عالم الكتب الحديث (2007 ).

كتاب "دراسات في الترجمة ونقدها" – د. محمد عصفور، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2009).

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

زوايا المدونة
أحدث المقالات
Please reload

الإرشيف