• Instagram - Grey Circle
  • Twitter - Grey Circle
Riyadh, Saudi Arabia

دور المترجم في صناعة الأفلام

 

في التاسع من أبريل 2019 نشر الاتحاد الأوروبي لمنظمات مترجمي المواد السمعبصرية (AVTE) دعوة لتوحيد جهود كلٍّ من صانعي الأفلام ومترجميها لرفع جودة السترجة (Subtitling) والحد من ظهور ترجمات (سترجات) رديئة تضر بسوق الأفلام وتقلل من نسبة المشاهدين، خاصة أن بعض الدول الأوروبية تعتمد السترجة وسيلة ترجمة أساسية للأفلام الأجنبية، مثل: السويد وبلجيكا وفنلندا والدنمارك، وبصورة متزايدة في إسبانيا وغيرها من الدول.

     تُرجمت هذه الدعوة إلى لغات أخرى كالفرنسية والإسبانية، ولأهمية محتوى المنشور قررت ترجمته إلى العربية لأمرين:

     أولهما، حتى يفهم غير المختصين في الترجمة أن الترجمة "الصحيحة" ليست عملاً سهلاً يستطيعه أي شخص يتكلم لغة معينة، وأن الترجمة مراحل متعددة تشترك فيها عدة أطراف تقوم على شروط وضوابط معينة يحددها طبيعة النص الأصل، ومعايير دار النشر، وأسلوب المترجم، والغرض من الترجمة، والجمهور المستهدف وغيرها.

      ثانيهما، حتى يفهم غير المختصين في الترجمة السمعبصرية عمومًا، والسترجة خاصة، أن عمل المترجم (أو المسترِج) يتخطى الجانب اللغوي بكثير – مع أهميته - ويتركز على فنيات وأساليب تقنية ذات علاقة بالوسط الناقل للسترجة (شاشة). بل إن عمل المسترِج – كما سيتضح في السطور القادمة - مهم للغاية في إظهار جمال الفلم ونقل رسالته بلمساته، من حيث اختيار لون النص وحجمه وعدد السطور وموضعها ووقت ظهورها واختفائها وتناسقها مع إيقاع الفلم وسهولة استيعابها عند المشاهد وغيرها من الجوانب العديدة.

ولهذا، يحكي النص التالي ماهية العلاقة بين المسترِج وصانع الفلم والدور الهامّ الذي يقوم به المسترِج، مما يحتم تظافر المترجم وصانع الأفلام منذ بداية التصوير إلى النشر.

 

 

 

*  تؤدي السترجة، دون أدنى شك، دورًا هامًا في تسويق الأفلام وصناعتها على مستوى العالم. ففي السنوات الأخيرة، تزايدت أعداد مشاهدي الأفلام والمسلسلات المسترجة تزايدًا كبيرًا، خاصة مع تطور منصات بث الأفلام (مثل: نتفلكس) وانتشارها. ولكن يبدو أن الحرص على جودة السترجة (بوصفها نصًا) لا تزال تلقى إهمالا متزايدًا ومستمرا. وفي هذه الأيام يعتقد الجميع أن بإمكانهم كتابة السترجات.

     في عام 1976، تحدث إيرنست ليهمان (Ernest Lehmann)، كاتب السيناريو المشهور، إلى صانعي الأفلام المبتدئين في معهد الفلم الأمريكي، يقول: " تقريبا، ينتاب كل شخص شعور عفوي أنه يجيد الكتابة كما يجيدها الكاتب المتمرس. لا يتخيل أحدٌ أن كاتبا قد يلقن المخرج أو المنتج أو الممثل أو المصور السينمائي كيف ينجزون ما يدخل دائرة اختصاصهم من مهام. ولكن ليس مستغربًا أن تجد شخصًا يعلم الكاتب كيف يكتب".

      لو استعضنا عن الكلمات "كاتب" و "يكتب" بكلمات "مترجم" و"يترجم" أو "يسترج" فإن المقولة ستصف تمامًا حال مترجمي الأفلام والمواد المسموعة والمرئية وحال السترجة في وقتنا الحالي. وفي الواقع، يعتقد الأغلبية أن بإمكانهم أن يمارسوا السترجة، ويرونها مهمة سهلة ورخيصة الثمن، بل يرون أنها يجب أن تكون أرخص مما هي عليه. ويعتقدون أيضًا أن من لديه برنامج سترجة فإن باستطاعته ممارستها، ومن ثم فالمترجم في نظرهم مجرد "مقدم خدمة".

     ولهذا السبب دعت الحاجة إلى توعية صانعي الأفلام حول العالم، الراغبين بترجمة أفلامهم، بأهمية التعامل مع المترجمين المحترفين أصحاب الخبرة اللغوية الدقيقة وخبرتهم في لغة الأفلام. وهذا هو الأهم. من المعلوم أن الفلم هو نتيجة عملية إبداعية ومالية وتقنية شاقة وطويلة. ولذا يدرك المترجمون أهمية جودة السترجة وشكلها على الشاشة كنوع الخط وحجمه. كما يدركون أهمية استيعاب المشاهد للترجمة وتناسقها مع أحداث الفلم وإيقاعاته. والمترجمون المحترفون، باختصار، يدركون جيدا ما يفعلونه.

      ومن الجيد أن العاملين في مجال صناعة الأفلام يدركون أهمية عمل المترجم المحترف ودوره. فعلى سبيل المثال، بادر بروس قولدستاين (Bruce Goldstein)، مؤسس شركة توزيع أمريكية (Rialto Pictures)، بإنتاج فلم وثائقي قصير تحت عنوان "فن السترجة" والذي يوضح الاهتمام والتقدير لهذا المجال، ووصفه بالفن مثال واضح على ذلك.

     صرح بروس خلال الفلم أن "سترجة الأفلام – وهي النص أسفل الشاشة – نادرًا ما تلاحظ ما لم تتقن ترجمتها. وهذا ما يجب أن تكون عليه، مخفية تمامًا ولا تثير الانتباه".

     ولذا يحرص المسترجون على جعل السترجة غير مرئية أو ملحوظة، لأنها جزء من لغة الفلم طالما لم تتعارض معه أو تشوش عليه.

     وبعيدًا عن الجانب اللغوي للسترجة والفلم، فإن الفلم لا يعني شيئًا للمشاهد المتلقي (العربي مثلاً) إن لم يكن مترجمًا، ولكنه يجب أن يترجم بطريقه تمكن المشاهد من الاستمتاع به كما لو كان بلغتهم. وعندما لا يستطيع المشاهد الاستمتاع بالفلم أو لا يستوعبه فهذا يعني أن السترجة والمسترِج محط الأنظار، وعرضة للنقد، لعدم توافق السترجة مع أهم ثلاثة عناصر للفلم؛ الحوار والصورة والصوت.

      وأقرب مثال على ذلك فلم روما (Roma) باللغة الإسبانية، وهو من إخراج ألفونسو كوارون (Alfonso Cuarón’s)، الذي ترجم إلى الإنجليزية والفرنسية ولغات أخرى، إذْ لقيت ترجماته نقدا كبيرا، على الرغم من انتشاره وكثرة مشاهداته في العالم. ونال الفلم جائزة أفضل فلم أجنبي وأفضل تصوير وإخراج سينمائي، حيث منحت هذه الجوائز بناء على الترجمة الإنجليزية فقط. ليس عيب الترجمة الإنجليزية أنها دون المستوى الاحترافي المتوافق مع ضوابط السترجة ومعاييرها فحسب، بل أنها قللت وشوهت من جمالية الجانب السنيمائي للفلم وروعته. وبحسب ما نعرف فإن الترجمات المتاحة بلغات أخرى نقلت من الإنجليزية وليست من اللغة الأصلية للفلم – الإسبانية - ولا من الحوارات التي باللغة "الميكستيكية".

 

      ويعد فلم "روما" أحد أشهر التجارب الشاهدة على سوء الخاتمة – إن صح التعبير، ولكنه ليس الوحيد، فقد سبقه تجارب عديدة لأفلام كثيرة في الماضي. ولقد أثبتت لنا قصة هذا الفلم أنه عندما يقرر صناع الأفلام التدخل في سترجة أفلامهم، فسيحتاجون حينها إلى النصيحة والإرشاد من خبراء الترجمة، ونحن، المترجمين المحترفين، نتمنى عدم تكرار مثل هذه القصص والتجارب.

 

      عند الانتهاء من إعداد الإضاءة والألوان وتجهيز الأصوات لفلم ما، لا بد أن يكون لصانع الفلم رأي فيما يريد أن يحدث وكيف يحدث. ولكن عندما يتعاون الفريق تعاونا كاملا تظهر النتائج الإيجابية، إذ يوجه مسؤولو الصوت والإضاءة المحترفون العمل ويحرصون على الوصول إلى نتيجة مشتركة وفق الهدف المرسوم. وعلى هذا المنوال تسير السترجة التي هي جزء مهم في صناعة لغة الفلم.

     لدى المترجمين المحترفين والمتقنين لفن السترجة شعور بضرورة جودة العمل، ليس فقط جودة الترجمة، بل حسن الشكل والخط واختيار المكان المناسب على الشاشة وتناسق المحتوى. وبصفتنا مترجمين، نعمل كل ما بوسعنا لإنتاج ترجمة تنسجم مع طبيعة الفلم ونوعيته. لسنا "مقدمي خدمات"، بل مساهمين في خدمة الفلم ومنتجيه ومخرجيه ومشاهديه فقط.

       ولأجل هذا، نضم صوتنا إلى جميع صناع الأفلام حول العالم ونبذل قصارى جهدنا لإيصال منتجاتكم وأفلامكم إلى جميع المشاهدين وإتاحتها بلغاتهم المتعددة. ولذا ندعوكم أيها الصناع إلى الوقوف إلى جانبنا – نحن المترجمين - حتى نتمكن من الاستمرار في العمل والابداع في ترجمة أفلامكم.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مصدر المقالة:

 

https://beta.ataa.fr/blog/article/filmmakers-and-translators-unite

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

زوايا المدونة
أحدث المقالات
Please reload

الإرشيف
Please reload

تابعنا
  • Twitter Basic Square