اليوم العالمي للترجمة

 

 

     ها هو الثلاثون من سبتمبر اليوم العالمي للترجمة يُطل علينا مجددًا. ويحمل هذا العام شعارًا جديدًا ألا وهو (الترجمة ولغات السكان الأصليين)، إذ أعلنت الأمم المتحدة أن 2019 سيكون العام الدولي للغات السكان الأصليين. والأمم المتحدة إذ تقرر تكريس عام كامل للاحتفاء بهذه الفعالية، فهي تهدف إلى توسيع نطاق الوعي باللغات الأصلية.

      ولكن لِمَ هذا الاختيار؟ لِمَ نحتفل باللغات، وبلغات السكان الأصليين تحديدًا؟

تهدف الأمم المتحدة من هذه الفعالية إلى تشجيع اتخاذ إجراءات عاجلة للحفاظ على أهمية لغات الشعوب الأصلية في العالم، وتعزيز تلك اللغات، بل ودعمها. وكلنا يعلم أن بعض هذه اللغات - لغات السكان الأصليين - ربما لا تُستخدم على نطاق واسع عالميًا، إلا أن بعضها يُعد أكبر لغات العالم استخدامًا من حيث العدد. 

     ويعني الاستخدام الأكبر للغات الأصلية فرصة أكبر لانتشارها، وبقائها على قيد الحياة. فكلما زاد استخدام اللغة زادت فرصة بقائها على قيد الحياة. ونحن – المترجمين – نصل بين هذه اللغات ونربط بعضها ببعض. وبفضل المترجمين التحريريين، والفوريين تتواصل المجتمعات مع العالم بأسره. ألم نعرف إيزابيل اللندي، وفيودور دوستوفيسكي عن طريق الترجمة! ألم ينل نجيب محفوظ، وخوزيه ساراماغو، وجابريل جارسيا ماركيز الذين كتبوا بلغاتهم جوائز نوبل في الأدب بفضل الترجمة والمترجمين!

 

      ورد في مقال ترجمته العام الماضي، كان يتحدث عن التنوع اللغوي والثقافي بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، والذي كان بعنوان "نشر التراث الثقافي عبر مختلف الأزمان" أن 288 لغة تعقبها أطلس اللغات أصبحت منقرضة، ناهيك عن أن هناك 2473 لغة في خطر.

 

     لا يضير لغة ما أن يتحدثها مجموعة صغيرة من الناس، كما أن هذا لا يجعلها في خطر. ولكن الأمر الذي يجعلها كذلك هو تواني هؤلاء الناس في نقلها لأطفالهم. فما دام الناس ينقلون لغتتهم لأطفالهم، فستبقى هذه اللغة على قيد الحياة.

      لكن هذا الأمر في حقيقته يضعف اللغة، إذ إن وجود مجموعة صغيرة يتحدثون لغة ما يجعلها أكثر ضعفًا، فهؤلاء السكان عرضة للمخاطر سواء الحروب، أو الكوارث الطبيعية، أوالضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكل هذه الأمور يمكن أن تجعل اللغات مهددة بالانقراض أو الموت.

     ويعد استخدام اللغات الأصلية استخدامًا كبيرًا أكبر داعم للحفاظ عليها، ومن ثم يدعم بقاءها. ففقدان اللغة ليس فقدانًا للكلمات وللسان فحسب، وإنما هو فقدان للمنظورات الثقافية، والثراء الفكري الموجود في اللغة والثقافة، إلى جانب مساهمتها في إثراء التنوع، وتعزيز التواصل الحضاري.

     واسمحوا لي هنا أن أُشيد بدور المترجمين الفوريين تحديدًا في تعزيز اللغات ودعمها. فهم الجنود المجهولون الذين يترجمون وقت الأزمات. كم رأينا، على سبيل المثال، من اللاجئين الذين لا يتحدثون سوى لغاتهم الأصلية، وضحايا الحرب والكوارث، وغيرهم، وهم يروون مآسيهم، ومعاناتهم إلى الصحفيين، ومندوبي الأمم المتحدة، والأطباء، وغيرهم ممن يمدون يد العون لمساعدتهم. وبعيدًا عن الحروب والمآسي، فمن الذي يترجم اللقاءات الثقافية، والمؤتمرات، والحفلات من لغة إلى لغة.

      أما المترجمون التحريريون الذين يشكلون جسرًا لربط الثقافات، وتعزيز التلاقح الفكري، فدورهم كبير، وعملهم جليل خاصة عند الحديث عن لغات السكان الأصليين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك منظمة مترجمين بلا حدود، إذ كثيرًا ما يطالعنا الموقع بأعمال لترجمة أدلة وكتيبات وإرشادات وغيرها إلى لغات، بل ولهجات مختلفة تعود في معظمها إلى دول أفريقية، وأخرى في شبه القارة الهندية وبنجلادش، وغيرها. فمن ذا الذي يمكنه تقديم المساعدة لهؤلاء، ومد يد العون لتوعيتهم لولا المترجمين!

 

      علاوة على ذلك يحفظ المترجمون لهذه اللغات، ولمستخدميها حقوقهم في الفكر، والثقافة، والسياسة، وحرية الرأي في التعبير. وكلها حقوق كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية.

وفي النهاية لا ننسى أننا، نحن المترجمين، ومن يشاركنا العمل في مجال اللغات، نحافظ على التنوع اللغوي، والثقافي، وزيادة الوعي بالقيمة الجوهرية للغات الشعوب الأصلية.

 

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

زوايا المدونة
أحدث المقالات
Please reload

الإرشيف